الأربعاء، 6 مايو 2020

ولا تبخسوا الناس أشياءهم... البخس فساد للأعمال وخراب العمران

مقاصد القرآن: ولا تبخسوا الناس أشياءهم...
ولا تبخسوا الناس أشياءهم، العمران، فساد الأعمال، خراب العمران
نهى الله عز وجل في هذه الآية الكريمة عن إنقاص الناس حقوقهم التي يجب عليهم أن يوفوهم كيلا أو وزنًا أو غير ذلك، إذ لا يحل ظلم الناس أشياءهم، ولا إنقاصهم أموالهم أوالانتقاص من أقدارهم وإمكاناتهم ومواهبهم  . فالبخس أو التبخيس لا يقتصر على نقصان المال والكيل والوزن، بل يشمل......

النقص والعيب فى كل شئ، مما يستحقه مستحق. فيدخل في ذلك انتقاص الناس قيمة أعمالهم وإنجازاتهم، والتقليل من شأنها ومن كل شيء له قيمة بالنسبة إليهم. وليس النقد البناء من التبخيس في شيء، ولكن الانتقاص يحصل عندما يعمد بعض البشر الى الانتقاد من أجل الانتقاص من العمل والتنقيص من صاحبه حسدا من عند انفسهم.
وقد أمر الله عز وجل  بالوفاء " أوفوا المكيال والميزان بالقسط" بعد أن نهاهم عن النقص على سبيل التأكيد ، وزيادة الترغيب فى دعوته، فقال" ولا تنقصوا المكيال والميان".
وقوله تعالى:"ولا تعثوا في الأرض مفسدين " يعني قطع الطريق كما قال في الآية الأخرى "ولا تقعدوا بكل صراط توعدون".، وهو شامل لكل فساد في البلاد والعباد، في الحرث والنسل.
وقد حصل النهي عن الأعم بعد النهي عن العامّ ، وبه حصلت خمسة مؤكدات :
-        بالأمر بعد النهي عن الفساد الخاص ،" أوفوا المكيال .."
-         ثم بالتّعميم بعد التخصيص ، "ولاتبخسوا الناس أشياءهم"، والأشياء عامة في المكيال والميزان، في الماديات والمعنويات..
-         ثم بزيادة التعميم ،  "ولا تعثوا ..مفسدين"، فإن التبخيس لون من ألوان الفساد، والفساد أعم منه،
-         ثم بتأكيد التعميم الأعم بتعميم المكان ،" ولا تعثوا في الأرض"
-         ثمّ بتأكيده بالمؤكد اللفظي . "ولا ...ولا...".
وسلك في نهيهم عن الفساد مسلك التدرج فابتدأه بنهيهم عن نوع من الفساد فاشٍ فيهم وهو التطفيف . ثم ارتقى فنهاهم عن جنس ذلك النوع وهو أكل أموال الناس . ثم ارتقى فنهاهم عن الجنس الأعلى للفساد الشامل لجميع أنواع المفاسد وهو الإفساد في الأرض كلّه . وهذا من أساليب الحكمة في تهيئة النفوس بقبول الإرشاد والكمال .
والفساد من العوامل والمعاول التي تكر على العمران بالانتقاض، وتعجل بجر الخراب إليه. ومن تجليات الفساد:
- إهمال القوانين الحكمية لاستلذاذ "عوائد التوحش" وما فيها" من الخروج عن ربقة الحكم، وعدم الانقياد للسياسة، وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له..."[1]
- العدوان على الأموال بطرق بلا حد ولا ضابط، إما بطرق غير مشروعة كالنهب أو بطرق ملتوية كإثقال كواهل العباد بالضرائب الباهضة،"وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع او ماعون انتهبوه، فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب والملك بطلت السياسة في حفظ أموال الناس وخرب العمران"[2]
-بخس الناس أشياءهم قيم أعمالهم، بمنحها أقل مما تستحقه فيقع إفسادها" وإذا فسدت الأعمال وصارت مجانا، ضعفت الآمال في المكاسب، وانقبضت الأيدي عن العمل، وابذعر الساكن ، وفسد العمران"[3]
- إهدار المصالح وإقرار المفاسد، والاستهتار بالقوانين الحكمية،  وعدم إصدار الأحكام الرادعة في حق المفسدين،" وأيضا فإنهم ليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض؛ إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبا أو مغرما؛ فإذا توصلوا إلى ذلك وحصلوا عليه أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم والنظر في مصالحهم وقهر بعضهم عن عن أغراض المفاسد. وربما فرضوا العقوبات في الأموال حرصا على تحصيل الفائدة والجباية والاستكثار منها..فتبقى الرعايا في ملكتهم كأنها فوضى دون حكم. والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران"[4]
" وأيضا فإن من طبيعتهم كما قدمناه أخذ ما في أيدي الناس جاصة والتجافي عما سوى ذلك من الأحكام بينهم ودفاع بعضهم عن بعض. فإذا ملكوا أمة من الأمم جعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في أيديهم.... وربما جعلوا العقوبات على المفاسد في الأموال حرصا على تكثير الجبايات وتحصيل العوائد. فلا يكون ذلك وازعا؛ وربما يكون باعثا بحسب الأغراض الفاسدة على المفاسد، واستهانة ما يعطى من ماله في جانب غرضه، فتنمو المفاسد بذلك ويقع تخريب العمران..." 5





المصادر والمراجع المعتمدة
* كتب التفسير:
- تفسير الطبري
- تفسير ابن كثير
- تفسير المنار
* المقدمة 

ليست هناك تعليقات:

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2013 مدونة مقاصد
تصميم : معاد برادة